ابن عجيبة

76

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

سبق له الخذلان ، فلم يكن له إيمان ولا إيقان ، فلا هداية له ولا نجاح ، ولا نجاة له ولا فلاح ، نسأل اللّه العصمة بمنّه وكرمه . الإشارة : قلت : كأن الآية الأولى في الواصلين ، والثانية في السائرين ، لأن الأولين وصفهم بالإنفاق من سعة علومهم ، وهؤلاء وصفهم بالتصديق في قلوبهم ، فإن داموا على السير كانوا مفلحين فائزين بما فاز به الأولون . فأهل الآية الأولى من أهل الشهود والعيان ، وأهل الثانية من أهل التصديق والإيمان . أهل الأولى ذاقوا طعم الخصوصية ، فقاموا بشهود الربوبية وآداب العبودية ، وأهل الثانية صدقوا بنزول الخصوصية ودوامها ، واستنشقوا شيئا من روائح أسرارها وعلومها ، فهم يوقنون بوجود الحقيقة ، عالمون برسوم الطريقة ، فلا جرم أنهم على الجادة وطريق الهداية ، وهم مفلحون بالوصول إلى عين العناية . دون الفرقة الثالثة التي هي بالإنكار موسومة ، ومن نيل العناية محرومة ، التي أشار إليها الحق تعالى بقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 6 إلى 7 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) قلت : ( سواء ) خبر مقدم ، و ( أنذرتهم ) مبتدأ لسبك همزة التسوية ، أي : الإنذار وعدمه سواء في حق هؤلاء الكفرة ، والجملة خبر إن ، و ( غشاوة ) مبتدأ ، والجار قبله خبره ، والغشاوة : ما يغشى الشيء ويغطيه ، كنى به عن مانع قهرهم عن الإيمان . يقول الحق جل جلاله : يا محمد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزل إليك جهرا ، وسبقت لهم منى الشقاوة سرا ، لا ينفع فيهم الوعظ والإنذار ، ولا البشارة والتذكار ، فإنذارك وعدمه في حقهم سواء ، لما سبق لهم منى الطرد والشقاء ، فالتذكير في حقهم عناء ، والغيبة عن أحوالهم راحة وهناء ، لأنى ختمت على قلوبهم بطابع الكفران ، فلا يهتدون إلى إسلام ولا إيمان ، ومنعت أسماعهم أن تصغى إلى الوعظ والتذكير ، فلا ينجع فيهم تخويف ولا تحذير ، وغشيت أبصارهم بظلمة الحجاب فلا يبصرون الحق والصواب ، قد أعددتهم لعذابى ونقمتى ، وطردتهم عن ساحة رحمتي ونعمتي . وإنما أمرتك بإنذارهم لإقامة الحجة عليهم ، وإني وإن حكمت عليهم أنهم من أهل مخالفتي وعنادى ؛ فإني لا أظلم أحدا من خلقي وعبادي ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ . فما ظلمتهم ؛ لأنى بعثت الرسل مبشرين ومنذرين ، ولكن ظلموا أنفسهم فكانوا هم الظالمين ، فحكمتى اقتضت الإنذار ، وقدرتى اقتضت